Al Idari Magazine
 
 
   
   









 
   
الغلاف
    
يلتقط أنفاسه ويحاول استعادة المبادرة
الاقتصاد العالمي في 2017
.. إرث ثقيل وأمل جديد
    

سيمون سمعان
بعد النكسات العديدة التي أصابت الاقتصاد العالمي خلال العام 2016 والأعوام السابقة، من البديهي أن يتوقف العالم في بداية العام الحالي عند المرتقب من المحطات، في محاولة إما لاستكشاف الآتي من الأحداث، أو لاستباقها في محاولة لتجنّب السلبي منها وتلقف الإيجابي، بغية خلق واقع ربما يكون أفضل مما واجهه العالم في الأعوام السابقة.
فبعد أزمات اليونان وإسبانيا وإيطاليا التي هددت متانة الاتحاد الأوروبي ووحدته، جاء تصويت البريطانيين لصالح خروج بريطانيا من الاتحاد بمثابة ضربة قاصمة.. تلا ذلك ما رافق انتخاب الرئيس الأميركي دونالد ترامب من مخاوف على سلامة التجارة والبورصات العالمية.. وسبقته العقوبات على روسيا والأزمات في غير منطقة من العالم.
.. فماذا ينتظر العالم في العام الجديد، وهل هناك تغيير حقاً ما يجعل الصورة أكثر إشراقاً في المستقبل ؟


ينتظر المحللون أن يحمل العام 2017 بعض التغييرات الاقتصادية أو حتى المؤشرات التي تريح الأوضاع السائدة بعض الشيء، في غير منطقة من العالم، وخلال أشهر العام الآتية هناك أكثر من محطة مفصلية، فالإدارة الأميركية المتسلمة مهامها في العشرين من كانون الثاني (يناير) الماضي، تتجه نحوها أنظار العالم كله لمعرفة ما إذا كانت ستنتهج فعلاً السياسة الاقتصادية التي أعلن عنها الرئيس ترامب، خلال حملته الانتخابية أو أية سياسة أخرى، ولا يغيب عن البال أمر مراقبة التطورات المتلاحقة في أوروبا ومنها النمو في بريطانيا بعد خروجها من الاتحاد، وكذلك تأثير نتائج الانتخابات الفرنسية في الربيع المقبل على الاقتصادين الفرنسي والأوروبي، وكذلك الأحداث العديدة من شرق آسيا إلى جنوب القارة الأميركية، وصولا إلى الشرق الأوسط وغليانه على أكثر من نار سياسية وأمنية واقتصادية.
في المقابل ثمّة من المحللين أو الخبراء من لا ينتظر أن يحمل العام 2017 أية تغييرات كبيرة على الصعيد الاقتصادي، معتبرين أنه سيكون امتداداً للعام 2016، مع تحسن طفيف في بعض النواحي، لا سيما في أسعار النفط، ويلفتون إلى تطور جدير بالذكر وهو مشاريع الطاقة المتجددة التي باتت تتصدر قوائم الاستثمارات في العديد من دول المنطقة والعالم، وتبذل الدول العربية جهوداً حثيثة لتطوير إنتاج الطاقة من المصادر المتجددة، ومن المتوقع أن يشهد العام 2017 إنجاز العديد من المشروعات على هذا الصعيد.
بين متشائم ومتفائل
طالما حذر صندوق النقد الدولي من أن عدم مواجهة التحديات التي تجعل الاقتصاد العالمي راكداً يمكن أن يؤدي إلى أزمة اقتصادية عميقة أسوأ مما شهده العالم من قبل، وأشار تقرير وحدة الاستقرار المالي في الصندوق إلى استمرار مخاطر "ضعف الثقة وتراجع النمو وهبوط التضخم وزيادة أعباء الديون" على الاقتصاد العالمي، ويكاد يُجمع المراقبون والمحللون الاقتصاديون على أن التحديات التي يواجهها الاقتصاد العالمي لا تحظى بالاهتمام الذي يحول دون تفاقمها، وهذا ما يدعو إلى الخشية من أن ينعكس أي تطور في العام الجديد سلباً على الحركة الاقتصادية العالمية المتباطئة أصلاً.
فبعدما تراجعت المخاوف من مؤشرات تباطؤ الاقتصاد الصيني، عادت إلى البروز مع تخوّف العالم من ألا تكون سياسات الحكومة الصينية طويلة الأمد، في الوقت نفسه، تزيد مخاطر الركود في الاقتصادات الرئيسية في العالم، وخصوصاً الاقتصادات الصاعدة التي تم التعويل عليها كقاطرة لخروج الاقتصاد العالمي من ركود الأزمة المالية في العام 2009، ومن مؤشرات ذلك، ما يبدو في أكثر من اقتصاد رئيسي في العالم من بوادر الانكماش السعري، وهو عكس التضخم (أو ما يعرف بالتضخم السالب) حيث يسير منحنى الأسعار هبوطاً أقل من نقطة الصفر.
ومن الأمثلة على تراجع التفاؤل بخصوص الاقتصاد العالمي خلال العام الحالي، يشير الخبراء إلى أن التوقعات بشأن الاقتصاد الياباني تراجعت عما كانت عليه سابقاً، وما يُقلِق هؤلاء هو الحالة المستمرّة منذ أكثر من عام، والتي وصفها تقرير صندوق النقد الدولي بأنها "جمود" في تطور الاقتصاد العالمي، وكذلك سياسات تنشيطه.
في هذا السياق، يشير صندوق النقد الدولي إلى تراجع في النمو في روسيا والبرازيل بشكل أكبر بكثير مما توقع قبل حوالى 4 أشهر، في حين تواجه العديد من المناطق، بما فيها أميركا اللاتينية واليابان ومنطقة اليورو مخاطر متزايدة من احتمال دخولها في حالة ركود اقتصادي هذا العام.
لكن ليس الجميع متفقاً على هذا التوصيف المشكِّك، أو متساوياً في مستوى المخاوف مما سيكون عليه الوضع خلال العام الحالي، فالعديد من الاقتصاديين أمكنهم رصد مؤشرات إيجابية، وإن بين حشد من السلبيات، وعلّقوا أهمية على بعض المحطات التي يعتبرون أنها إذا قُدِّر لها أن تعطي النتائج الإيجابية المرتقبة منها، فسيكون ذلك كافياً لرسم الخطوط العريضة المطلوبة للتوجهات الواعدة، أقله في السنوات اللاحقة إذا لم تظهر تباعاً خلال العام الحالي.
إشراقة من خلف الغيوم
يتطلع محللون وخبراء ورؤساء تنفيذيون لشركات عابرة للقارات، للعام 2017 متوسمين فيه بوادر انفراج، وخروج من هوة التباطؤ الاقتصادي الذي ساد خلال الفترة الماضية، وتشير بعض التكهنات إلى أن الاقتصاد العالمي سينمو خلال العام الحالي، بوتيرة أسرع من العام 2016، مع الإبقاء على احتمال وجود مخاطر قد تلوح في الأفق فتهدد هذا النمو.
وبحسب الاقتصاديين هناك ثلاثة أنواع من الصدمات التي يمكن أن تهدد نمو الاقتصادات العالمية، وهي الحروب، والتضخم والأزمات المالية، وهناك خطورة أخرى تكمن في التقلبات الجيوسياسية أبرزها تداعيات مفاوضات "بريكسيت" وسياسات ترامب المرتقبة والضغوط السياسية على الاتحاد الأوروبي والخشية من وصول المرشحة اليمينية المتطرفة مارين لوبان لرئاسة فرنسا ومسألة اللاجئين، فيما يزداد القلق بشأن سياسات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، والعلاقة بين إدارة ترامب والصين من ناحية ومع موسكو من ناحية أخرى.
* إلى أي مدى ستؤثر هذه المخاطر على النمو الاقتصادي؟
في العام 2016، لم تؤثر المخاطر السياسية كثيراً على النمو الاقتصادي العالمي، ولكن في العام الحالي، ربما يكون لهذه المخاطر بعض التأثير، فهناك تهديدان بنشوب حرب تجارية بين أميركا والصين. والخطورة على المدى الطويل ربما تكمن ضمناً في تباطؤ المحركات الاقتصادية مثل ضعف الإنتاجية وإقرار سياسات فائدة منخفضة، لكن يبقى متوقعاً نمو الاقتصاد العالمي خلال العام 2017 بنسبة تراوح بين 3% و4%، مع بعض القلق حيال نمو الاقتصادات الناشئة.
وكانت بيانات المفوضية الأوروبية أظهرت مطلع العام الحالي أن المعنويات الاقتصادية في منطقة اليورو فاقت التوقعات بكثير في كانون الأول (ديسمبر)، بفضل زيادة التفاؤل في فرنسا وألمانيا وهولندا، وارتفاع توقعات التضخم بين المستهلكين، وأظهر المسح الشهري للمفوضية أن مؤشر المعنويات الاقتصادية في الدول الـ19 الأعضاء في منطقة اليورو ارتفع إلى 107,8 نقاط في كانون الأول (ديسمبر) من 106,6 في تشرين الثاني (نوفمبر) متجاوزاً بكثير متوسط الأمد الطويل البالغ 100 نقطة.
وعليه يرى الاقتصاديون أن المتغيرات التي عانى منها الاقتصاد العالمي، في شكل مأساوي في العام 2016 بدأت في الانقشاع، بل إن المفارقة تؤكد أن تلك المتغيرات قد تكون حتماً بداية الخروج من الكبوة التي أصابت الاقتصاد خلال العام الماضي، ويعتبرون أن العام 2017، سيكون الأفضل مقارنة مع العام 2016، وأن هناك مؤشرات قوية على ذلك، بما فيها البلدان المتقدمة التي توقع لها صندوق النقد الدولي مؤشرات متباطئة من النمو، ولكن حققت نتائج جيدة، ومنها:
- ألمانيا، التي على الرغم مما يحمله اقتصادها من عبء اللاجئين، فهو يحقق مؤشرات جيدة على صعيد توفير فرص العمل والنمو.
- بريطانيا، التي حقق فيها قطاع الصناعات التحويلية مطلع العام الجاري مؤشرات جيدة على الرغم من تأثيرات عملية الخروج من الاتحاد الأوروبي.
- الولايات المتحدة، التي حقق اقتصادها نتائج جيدة قياساً إلى القوة التصاعدية لقيمة الدولار وتربعه على عرش العملات العالمية، ولكن ينبغي الحذر من تأثيرات الإنفاق الحكومي الضخم الذي تعهد ترامب بتخصيصه بما يناهز تريليون دولار، وتأثيرات ذلك على إمكانية حدوث عجز في الميزانية.
- الدول الآسيوية والصين، حيث تتزايد نسب نمو الاستهلاك، وهذا ما يدعم التجارة العالمية وينعكس على نمو الاقتصاد العالمي.
الخليج قاطرة من جديد
وسط كل هذه التحليلات عما هو مرتقب عالمياً خلال العام الحالي، يشير تقرير اقتصادي حديث، إلى أن الاقتصاد العربي سيشهد بدوره تحسناً نسبياً طفيفاً في العام 2017، ويقول التقرير الصادر عن "المؤسسة العربية لضمان الاستثمار وائتمان الصادرات" إنه يتوقع أن يبلغ متوسط معدل النمو نحو 2,9%، ليرتفع معه الناتج العربي إلى 2,7 تريليون دولار، وتوقع التقرير، أن يرتقي متوسط دخل المواطن العربي إلى 7750 دولاراً سنوياً من 7620 دولارا في العام 2015، مع ارتفاع معدلات التضخم إلى 5,9% واستمرار النمو في عدد سكان المنطقة ليصل إلى 372 مليون نسمة.
وأوضح التقرير أن المخاطر المحيطة بالآفاق الاقتصادية في المنطقة العربية زادت نتيجة الأحداث السياسية الداخلية والتأثيرات الخارجية الناجمة عن المتغيرات في الاقتصاد العالمي، وأشار إلى أنه على الرغم من وجود قدر كبير من عدم اليقين، بسبب المسار المستقبلي لأسعار النفط وآفاق النمو في الأسواق الصاعدة عموماً، والصين على وجه الخصوص، إلا أنه من المرجح أن يشهد العام 2017 تحسناً نسبياً في أداء الموازين الداخلية والخارجية للدول العربية.
وعلى صعيد التجارة، رصد التقرير مؤشرات على تحسن صادرات السلع والخدمات نتيجة الارتفاع النسبي لأسعار النفط لتتجاوز بقليل حاجز التريليون دولار من970 مليار دولار في العام 2015، ورأى أن المعطيات الحاكمة للوضع الاقتصادي العربي في المستقبل تؤكد أن اقتصاد المنطقة، في معظمه، ما زال رهناً بالتطورات في أسعار وإنتاج وتصدير النفط، الذي يمثل 85% من صادرات المنطقة وأكثر من 60% من الإيرادات الحكومية، وما يزيد على 35% من الناتج المحلي.
صحيح أنه قد يكون من الصعب التنبؤ بالنمو الذي سيشهده الاقتصاد العربي عموما والخليجي خصوصاً في العام 2017، إلا ان العديد من المؤشرات يوحي بأن اقتصادات هذه الدول مقبلة على حالة من التحسن وإن لم تكن بتلك الوتيرة التي تسعى إلى تحقيقها، فجهود دول الخليج تجاه بناء اقتصادات متنوعة وتطوير أداء القطاعات غير النفطية ستنعكس بشكل واضح على أداء القطاع الخاص فيها، وسيظهر التحسن في شكل جلي في ارتفاع ربحية الشركات العاملة بدول الخليج، وبالتالي في التسريع من وتيرة النمو الاقتصادي.
في المقابل، يرتقب الاقتصاديون النتائج الإيجابية للخطوات التنظيمية التي اتخذتها الحكومات الخليجية، والتي ستعيد تصحيح العديد من المسارات بما يتلاءم مع الواقع المستجد، كذلك على المدى البعيد ينتظرون ما ستحدثه الخطط الاقتصادية من تغيير هيكلي في اقتصادات هذه الدول، يجنبها مخاطر انخفاض أسعار النفط، ويضعها على سكة الإقلاع إلى اقتصادات محصّنة ضد الأزمات.
دافع محركات الاقتصاد
يعلم الجميع أن العام 2016، استهل بدايته المؤلمة بتهاوي أسعار النفط إلى 27 دولاراً للبرميل، لتتولى تلك الأسعار القياسية، زمام مسيرة التباطؤ الاقتصادي العالمي الذي دشنته بلا رحمة، الأزمة المالية منتصف العام 2008، هذا التراجع في الأسعار وجّه صفعة قاسية للاقتصادات العالمية استمرت تأثيراتها على مدى عامين متتاليين، ما جعل عملية التصحيح صعبة ولكن بالطبع غير مستحيلة، فالنفط ليس فقط وقود المحركات الآلية، بل هو دافع محركات الاقتصاد أيضاً، من هنا أهمية مراقبة حركته لمعرفة اتجاهات النمو الآتية، ومع توقُّع ارتفاع الأسعار يرسم المراقبون علامات إيجابية بما خص الاقتصاد العالمي خلال العام الحالي.
هناك أيضاً متغيّر كبير حدث نهايات العام 2016، إذ شهد اجتماع فيينا في تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، اتفاقاً تاريخياً بين دول "أوبك"، والمنتجين من خارجها، على تخفيض إنتاج النفط بنسبة 2% بواقع 1,8 مليون برميل يومياً لتلتزم "أوبك"، بخفض 1,2 مليون برميل يومياً، والمنتجون من خارجها بخفض 600 ألف برميل، وهو ما انعكس على ارتفاع تدريجي لاحقاً لأسعار النفط لامس 58 دولاراً للبرميل، فيما بدأ مطلع كانون الثاني (يناير) الماضي التطبيق الفعلي لذلك القرار.
هذا التحسن التدريجي لأسعار النفط، يتوقع أن يتجاوز بسهولة حاجز 60 دولاراً للبرميل خلال أو نهاية العام 2017، وهذا يشكل دافعاً مهماً لحركة الإقتصاد افتقدته خلال تراجع الأسعار، فالزيادة في أسعار النفط وأن كانت قليلة مقارنة مع مستويات ما قبل العام 2014، ستساعد في تعزيز ميزانيات الدول المنتجة وزيادة الإنفاق الحكومي، ومعالجة التأخر في تنشيط القطاعات الاقتصادية الهيكلية، وهو ما سيكون له تأثير بالغ الأهمية على تحفيز آلية الاقتصاد العالمي، وتنشيط حركة التجارة العالمية، ورفع مستويات الاستثمار.
من ناحية أخرى كان تراجع أسعار النفط قد شجع أكثر على تنويع مصادر الدخل في الدول المنتجة، لا سيما الخليجية منها، فحققت من هذه الخطوات نجاحات ستقطف ثمارها تباعاً على مدى الأعوام الآتية، وعلى الرغم من أنها المرة الأولى التي تحدث فيها أزمتان اقتصاديتان في أقل من عشرة أعوام، الأزمة المالية العالمية، وأزمة تهاوي النفط بعد الحسابات المتفائلة للدول المنتجة، إلا أن المؤشرات ليست مقلقة والمسألة برمتها ليست في دائرة الخطر.
ويتوقع العديد من المحللين والخبراء الإقتصاديين أن يكون معدل نمو الاقتصاد العالمي لهذا العام أسرع من العام 2016، إلا أنهم يشيرون في الوقت نفسه إلى أن هناك الكثير من التهديدات المحيطة به والتي من الممكن أن تحد من الاندفاعة الموعودة وهو ما يجب التنبّه إليه، ويشددون على أنه خلال السنوات الماضية كان الرأي السائد للتخلص من الارتفاع الحاد فى معدلات التضخم في الولايات المتحدة مثلاً، هو اتخاذ سياسة التيسير الكمي، ولكن اتضح أن تلك السياسة كانت خاطئة، حيث أن استخدام السياسات الداعمة للاقتصاد واتخاذ البنك الاحتياطي الفدرالي للسياسات التحفيزية ربما قد ينتج عنها ارتفاع معدلات التضخم.
.. طبعاً هناك أمور غير مرتقبة قد تحصل، فتقلب كل هذه الحسابات رأساً على عقب، لكن بما هو ظاهر ومرتقب بحسب المعطيات الحالية، فإن الاقتصاد العالمي ونظيره المحلي يسيران على سكة التصحيح وعودة النمو والتأسيس لنتائج أقل ما يقال فيها إنها، ربما تكون أفضل مما كانت عليه خلال العامين الماضيين.