Al Idari Magazine
 
 
   
   



 
   
اقتصاد
    
"البنك الدولي" يدعوها إلى تعديل نموذج التنمية
الصين تتجه لإزاحة الولايات المتحدة
عن قمة الاقتصاد العالمي
    

يتجه الاقتصاد الصيني نحو انتزاع زعامة الاقتصاد العالمي من نظيره الأمريكي خلال ثلاث سنوات على الأكثر وذلك بعد أن أزاح الاقتصاد الياباني من طريقه في خطوة تؤهله للعب دور حاسم ومسؤول في إنقاذ الاقتصاد العالمي من أزماته المزمنة التي فشلت واشنطن في حلها.. وفي الوقت الذي توقع فيه صندوق النقد الدولي أن يتجاوز حجم اقتصاد الصين بحلول عام 2016 نظيره الأمريكي من حيث تعادل القوة الشرائية رأت العديد من المؤسسات البحثية الدولية أن الاقتصاد الصيني أصبح منذ عام 2010 الأول في العالم، وهذا ما أكده الباحث الاقتصادي أرفيند سوبرامانيان من معهد برينستون في حين اعتبرت دراسة أجراها مؤخراً الخبير الاقتصادي في جامعة كاليفورنيا روبرت فينسترا أن الزعامة الاقتصادية العالمية ستنتقل إلى الصين في عام2014.

أمام تعاظم القوة الاقتصادية للصين بدأ العالم يطالبها بالاضطلاع بقدر أكبر من المسؤولية عن صحة الاقتصاد العالمي ولاسيما أن سياستها النقدية التيسيرية تلعب دوراً كبيراً في التصدي لأزمات مالية حادة وهذا ما ظهر جليا في الفترة القليلة الماضية حيث تمكنت الأسهم الأوروبية من تسجيل أعلى مستوياتها منذ سبعة أشهر بعد أن يسرت الصين السياسة النقدية لمواجهة تباطؤ النمو.
المخاوف الأمريكية
ومن ناحية أخرى إن اعتراف وزير الخزانة الأمريكي تيموثي غايثنر بالدور المسؤول الذي تضطلع به الصين في الاستقرار الاقتصادي في إطار سياستها الدولية لا ينفي المخاوف الأمريكية من خطورة هذا الدور على زعامة واشنطن التي أقرت على لسان وزير دفاعها السابق بول وولفينتر بأنها تعمل على منع معاودة ظهور أي منافس أو سلطة من السيطرة على منطقة موارد ما تكون كافية لتوليد سلطة عالمية.
وأمام هذا الواقع يرى خبراء اقتصاديون أن استمرار الاقتصاد الصيني في النمو وتمكنه في نهاية المطاف من مضاهاة الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي سيكثف المطالبات الدولية للصين كي تشغل حيزاً أكبر من المسؤولية تجاه إنعاش الاقتصاد العالمي الذي يعاني أزمات خانقة في أوروبا والولايات المتحدة التي يبدو أنها غير قادرة حالياً على القيام بأي خطوة للضغط على الاقتصاد الصيني المتنامي بقوة رغم توقعات العديد من الخبراء بأن واشنطن قد تفكر بسياسات أخرى عند الضرورة قد تصل إلى القيام بعملية عسكرية ضد الصين بحسب كروب فيكتور أستاذ الإدارة العامة بكلية هارفارد الأمريكية محذراً في الوقت نفسه من بعض الأوراق الرابحة التي تمتلكها الصين وفي مقدمتها امتلاكها لسندات كبيرة في الخزينة الأمريكية من شأنها التأثير سلباً على الاقتصاد الأمريكي بصورة مباشرة إذا ما استغلتها الصين.
أدوار اقتصادية سياسية
ولا ينحصر الضغط الأمريكي على الصين في مجال محدد وإنما امتد إلى أروقة السياسة ووسائل الإعلام عبر تأليب دول الغرب ضد سياسة الصين القائمة على شراء حصة أكبر من النفط الإفريقي بالتزامن مع مواصلة العديد من وسائل الإعلام الأمريكية والأوروبية العمل على تصوير الصين على أنها مستعمر جديد يحاول استعمار الدول الإفريقية وهو ما تنفيه بكين التي تستند في تعاملاتها الاقتصادية مع كل الدول على مبدأ الاتفاق فإما القبول وإما الرفض.
ويعقد مراقبون مقارنة بين الصين والولايات المتحدة في أسلوب الحصول على النفط في العالم ففي حين يقوم الأسلوب الصيني على الاتفاقيات الاقتصادية الندية التي تحفظ للدول كرامتها وسيادتها فإن الأسلوب الأمريكي قائم على افتعال الحروب لإفساح المجال أمام الشركات الأمريكية النفطية كي تعقد اتفاقيات استثمارية غالبا ما تكون مجحفة بحق الدول التي تفرض واشنطن عليها سيطرتها العسكرية والسياسية .
وتنظر دول عديدة في العالم إلى قوة الصين المتعاظمة كدولة اقتصادية داعمة لاقتصاد بعض الدول الفقيرة وقوة نامية يمكن الاستفادة منها مستقبلاً، ويعتقد محللون أن التفوق الاقتصادي إذا ما تحقق للصين فقد يكون مؤشراً نحو نهاية الهيمنة الأمريكية ولاسيما في ظل العديد من المؤشرات التي فضحت استراتيجيات الولايات المتحدة القائمة على فرض السيطرة بما مهد الطريق للتكاتف حول التيار الساعي لوضع حد لهيمنة القطب الواحد بعد أن بدأ العالم يتململ من سياسة الجشع الرأسمالي وحماية المصالح.
تقرير البنك الدولي
في تقرير أعده فريق مشترك من البنك الدولي ومركز بحوث التنمية بمجلس الدولة بالصين بعنوان "الصين 2030: بناء مجتمع حديث ومتجانس مرتفع الدخل يتميز بالابتكار"، دعا البنك الدولي الصين إلى ضرورة مواصلة تحولها إلى اقتصاد السوق بما يعزز قطاعها الخاص ويفتح أسواقها أمام قدر أكبر من المنافسة والابتكار، ويضمن تكافؤ الفرص للمساعدة في تحقيق هدفها المتمثل في وضع هيكل جديد للنمو الاقتصادي، وذلك من خلال إصلاحات قطاعات مؤسسات الأعمال والأراضي وقوانين العمل والقطاع المالي.
ويحدد التقرير الجديد معالم استراتيجية تنمية جديدة للصين لإعادة التوازن بين دور الحكومة والسوق والقطاع الخاص والمجتمع، ولتحقيق الهدف المتمثل في بلوغ مصاف البلدان مرتفعة الدخل بحلول عام 2030، ويوصي التقرير باتخاذ خطوات محددة للتصدي للمخاطر التي تواجه الصين على مدى السنوات العشرين القادمة، ومنها خطر حدوث هبوط حاد في النشاط الاقتصادي في المدى القصير، فضلا عن التحديات التي يشكلها تقدم سن القوى العاملة وتقلص أعدادها، وازدياد معدلات عدم المساواة، والضغوط البيئية، والاختلالات الخارجية.
وفي هذا الصدد، قال رئيس مجموعة البنك الدولي روبرت زوليك: "لقد أدرك قادة الصين أن نموذج النمو الذي تعتمده البلاد وكان ناجحاً للغاية على مدى 30 عاماً، ليس مناسباً للعقود المقبلة، إن الحاجة إلى الإصلاح ملحة لأن الصين قد وصلت الآن إلى نقطة تحول في مسار تنميتها، ولا شك أن إدارة التحول من بلد متوسط الدخل إلى بلد مرتفع الدخل ستكون حافلة بالتحديات؛ أضف إلى ذلك استمرار حالة عدم اليقين والتقلب في البيئة العالمية في المستقبل المنظور، وأن الحاجة للتغيير والإصلاح باتت تكتسي أهمية أكبر، ولدى الصين الآن فرصة لتجنب الوقوع في شَرَك البلدان متوسطة الدخل، وتعزيز النمو الشامل للجميع، دون التعدي على البيئة، ومواصلة تقدمها نحو أن تصبح طرفاًً فاعلا مسؤولاً في الاقتصاد العالمي".
توجهات استراتيجية
ويحدد التقرير ستة توجهات استراتيجية من أجل مستقبل الصين، وهي: إتمام عملية التحوّل إلى اقتصاد السوق؛ وتسريع وتيرة الابتكار المفتوح؛ ومراعاة الاعتبارات "البيئية" لتحويل الضغوط البيئية إلى نمو أخضر كمحرك للتنمية؛ وزيادة الفرص المتاحة والخدمات مثل الصحة والتعليم وتوفير فرص عمل لجميع الناس؛ وتحديث نظام ماليتها العامة الداخلي وتدعيمه؛ والسعي إلى علاقات تعود بالنفع المتبادل مع العالم عن طريق ربط الإصلاحات الهيكلية للصين بالاقتصاد الدولي المتغير.
وأضاف زوليك: "من أهم النتائج الرئيسية التي خلص إليها التقرير هو حاجة الصين إلى تحديث قاعدتها المالية المحلية والتحول إلى نظام مالي عام- على جميع مستويات الحكومة- يتسم بالشفافية وخاضع للمساءلة، ويشرف عليه عدد أقل ولكن أكثر قوة من المؤسسات، للمساعدة في تمويل برنامج أعمال اقتصادي وبيئي واجتماعي متغير، ويمكن أن يؤدي برنامج الإصلاح الذي يشتمل على قطاع مالي أكثر قوة ومرونة، وتشجيع الابتكار والنمو المراعي للبيئة باعتبارهما محركين للتنمية، إلى خلق فرص عمل جديدة وزيادة الإنتاجية داخل الصين، فضلا عن إتاحة فرص جديدة للشركات الأجنبية".
وهناك إدراك متزايد، تدعمه النتائج التي خلص إليها هذا التقرير، بأن معدلات النمو التي تشهدها الصين سوف تنخفض تدريجياً في السنوات التي تسبق الوصول إلى عام 2030، إذ إنها ستكون قد بلغت الحدود القصوى للنمو التي تحققها التكنولوجيات الحالية في هيكلها الاقتصادي الحالي، ويدعو التقرير واضعي السياسات الصينيين إلى ضرورة التحوّل من التركيز كلياً على النمو الكمي ليشمل أيضاً النمو النوعي.
ويؤكد التقرير حاجة الحكومة إلى إعادة تحديد دورها - بزيادة التركيز على النظم والقواعد والقوانين- لرفع كفاءة الإنتاج وتشجيع المنافسة والحد من المخاطر، ويوصي بإعادة تحديد أدوار المؤسسات المملوكة للدولة وكسر الاحتكارات في بعض الصناعات، وتنويع الملكية، وتقليل حواجز دخول الأسواق أمام شركات القطاع الخاص، وتسهيل إمكانية الحصول على التمويل للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة الحجم.
ووفقاً لنتائج التقرير، ينبغي أن تتضمن الإصلاحات جعل الجهاز المصرفي يعمل على أسس تجارية، وإزالة الضوابط المفروضة على أسعار الفائدة تدريجياً، وتعميق سوق رأس المال وتطوير المزيد من الهيئات التنظيمية المستقلة والقوية بغرض دعم إدماج القطاع المالي في الصين ضمن النظام المالي العالمي في نهاية المطاف، وينبغي أن تكون الإصلاحات المالية في العقدين المقبلين حاسمة وشاملة ومنسقة تنسيقاً جيداً، وفقاً لتطبيق خارطة طريق متسلسلة بشكل صحيح، والأولوية هي تحرير أسعار الفائدة وفقاً لمبادئ نظام السوق.
الإصلاح الزراعي
وفيما يتعلق بالإصلاح الزراعي، يؤكد التقرير على ضرورة أن تكون الأولوية لحماية حقوق المزارعين في الأراضي الزراعية، والتوسع في تسجيل الأراضي وحقوق الإيجار، وللمساعدة في إصلاحات أسواق العمل، فإن إدخال تغييرات على نظام تصريح الإقامة يعتبر مسألة ذات أولوية، وبينما سيعتمد إحراز تقدم في إصلاحات تصريح الإقامة على الإصلاحات الضريبية التي توازن بين زيادة الإيرادات وحدود سلطات الإنفاق على مختلف مستويات الحكومة، فينبغي أن تبدأ وتكتمل قبل عام 2030.
وللإسراع في وتيرة الابتكار، يدعو التقرير إلى بذل مزيد من الجهود لبناء شبكات البحث على مستوى البلاد، واتخاذ خطوات ترمي إلى تحسين نوعية التعليم العالي وربطه مع الشبكات العالمية، مع دعمه من خلال تعزيز سيادة القانون وإنفاذ حقوق الملكية الفكرية. ويقول التقرير إن وجود نظام ابتكار مفتوح كهذا سيكون مطلباً أساسياً للاستفادة بشكل كامل من روابط الابتكار العالمية.
وحتى تنهض الصين ببرنامج التنمية "المراعي للبيئة"، فإنها ستحتاج إلى النظر في تطبيق حوافز طويلة الأجل للسوق لتشجيع الشركات والأسر لمراعاة الاعتبارات البيئية، وينبغي أن يشمل ذلك زيادة الاستثمارات العامة، وتحسين تصميم وتطبيق القوانين والإجراءات الحكومية بغرض تكملة حوافز السوق، مثل الضرائب، والرسوم، والتراخيص والحصص القابلة للتداول، واستخدام نظام العلامات البيئية. ويمكن للصين أن تجعل من نفسها رائدة من رواد التكنولوجيا الخضراء غير المضرة بالبيئة في العالم بتنفيذ سياسات صارمة وفاعلة للحد من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري، ويمكن للسياسات الصارمة بشأن الحد من الانبعاثات، مثل تجارة الكربون أو الضرائب على الكربون، أن تحفز الابتكار في مجال التكنولوجيات المراعية للبيئة.
ولوضع حد لتزايد عدم المساواة، يقول التقرير إن الصين ستحتاج إلى التركيز على نظام حماية اجتماعية يناسبها في عام 2030، مع التركيز بشكل خاص على الفقراء، ويستعرض التقرير الحاجة إلى اعتماد "نموذج الأمن الوظيفي المرن"، ويمكن أن يشمل ذلك إصلاحات المعاش التقاعدي ودعم نظم البطالة حتى يتسنى للعمال الحصول على مساندة معقولة في شيخوختهم أو عندما يكونوا عاطلين عن العمل، ويمكن لذلك ضمان تغطية شاملة لتأمين المعاش التقاعدي، خاصة بالنسبة لسكان المناطق الريفية والعمال المهاجرين في المدن، كما يحذر التقرير من أن توسيع نطاق المستوى الحالي للخدمات الحضرية والحماية الاجتماعية لسكان الريف والمهاجرين، الذين يشكلون اليوم أكثر من نصف السكان- سيشكل عبئاً كبيراً على المالية العامة وينبغي أن يتم تنفيذه بحكمة وحصافة.
ولتمويل أولويات الصين في العقود المقبلة، وللتعامل مع الصدمات الخارجية، يدعو التقرير إلى مزيد من الإصلاحات للنظام المالية العامة، وينبغي أن يشمل ذلك تحسين كفاءة زيادة الإيرادات وتغيير العلاقات المالية بين مختلف مستويات الحكومة، فضلاً عن تعزيز كفاءة الإنفاق العام، وهناك إمكانيات غير مستغلة للإيرادات عن طريق فرض ضرائب أعلى على استهلاك الطاقة، وأخذ نصيب من الأرباح من الشركات المملوكة للدولة، وفرض ضرائب على الدخل الشخصي والسيارات والممتلكات.
إصلاحات متسلسلة
ويقترح التقرير تنفيذ الإصلاحات بشكل متسلسل، فضلاً عن تحقيق مكاسب سريعة واتخاذ إجراءات فاعلة للتصدي للمخاطر على المدى القصير، وسيكون الدعم للإصلاحات أقوى إذا استندت الخطط إلى المشاركة الكاملة من جميع مستويات المجتمع، والخطر الأكبر الذي يلوح في الأفق هو المصالح المكتسبة التي يمكن أن تحبط وتفسد الإصلاحات.
وبصفتها أحد الأطراف الفاعلة الرئيسية في الاقتصاد العالمي، يمكن للصين النظر في كيفية ارتباط إصلاحاتها الهيكلية بتغييرات إعادة التوازن على الصعيد العالمي، ويتعين على الصين دعم التجارة الحرة ودعم اتفاق متعدد الأطراف بشأن الاستثمار، وتكمن المصالح طويلة الأجل للصين في التجارة العالمية الحرة ونظام دولي نقدي ومالي مستقر وفاعل، يعتمد على أطر متعددة الأطراف للمساعدة في صياغة برنامج عالمي لحسن الإدارة الرشيدة.
وسيعمل وزن الصين المتزايد في التجارة العالمية، على ضوء حجم اقتصادها ودورها بوصفها أكبر الدائنين في العالم، على جعل تدويل عملتها اليوان (الرنمينبي) أمراً لا مفر منه، وسيتوقف قبول اليوان كعملة احتياطي عالمي رئيسية على وتيرة ونجاح إصلاحات القطاع المالي وفتح حسابات رأس المال الخارجي الخاصة بها.