Al Idari Magazine
 
 
   
   









 
   
تحقيق
    
اللاعب الأكبر في السوق
شركات النفط العالمية..
تهاوي الأسعار لا يعني الخسائر
    
تتجه الأنظار كلما ارتفعت أو انخفضت أسعار النفط إلى الدول المصدرة، وخاصة إلى منظمة "أوبك"، وعلى رأسها دول مثل المملكة السعودية، أكبر مصدري النفط في العالم، لكن الحقيقة التي لا يركز عليها الإعلام عادة، هي أن اللاعب الأكبر والمؤثر هي الشركات الكبرى، أو ما يعرف بـ"عمالقة النفط"، وهي شركات "بي بي" (بريتش بيتروليوم) البريطانية، و"رويال دتش شال" الهولندية، و"توتال" الفرنسية، و"إيكسون موبيل" و"شيفرون" الأميركيتين.

لا تخسر هذه الشركات عادة سواء في الشدة أو الرخاء إلا في حالات قليلة جداً، لكن الواضح أن أرباحها ترتفع أو تنخفض، لكنها لا تخسر في ما يتعلق بمنطق السوق، والسبب في ذلك أنها تكيف نفسها على أسعار "الذهب الأسود"، بخلاف الدول المصدرة للنفط وشركاتها الحكومية، حيث عادة ما تبنى ميزانياتها على أسعار مرتفعة للنفط، وحين تنهار هذه الأسعار تحدث الأزمة.
ومنذ أن بدأ انهيار سعر برميل النفط من مستوى فاق الـ100 دولار في 2014، إلى أقل من 30 دولار في 2015، ظلت الارباح مستمرة وإن بوتيرة منخفضة باستثناء بعضها، لكن العام الجاري شهد ارتفاعاً ملحوظاً في أرباح هذه الشركات.
الحفاظ على الربحية
تعتبر "الربحية" كلمة مقدسة لدى عمالقة النفط في العالم، بحيث تبني عملها على أساس "استمرار الربحية" مهما حصل، وهذه الاستراتيجية تجعل الشركات لا تبني خططها أبداً على أسعار مرتفعة ستستمر طويلاً، وتقتضي استراتيجيات الشركات الكبرى استمرارها في العمل وتحقيق الأرباح حتى في ظل أسعار متدنية قد تنزل دون الخمسين دولار، ومع أي متغير في أسعار النفط، تمر الشركات الكبرى إلى خططها الجاهزة، وتعني على الفور ضبط الإنتاج وتقليل التكلفة التشغيلية، مع ما يعني ذلك من تسريح أعداد مهمة من العمال.
والدليل على هذا الأمر أنه في أسوأ أشهر أسعار النفط في الألفية الجديدة على الاطلاق ( الأشهر التسعة الأولى من 2015)، حققت شركة مثل "شيفرون" الأكثر تراجعاً في الأرباح ما يقارب نصف مليار دولار ربح صافي، ورغم أن هذا أقل من الفترة نفسها في 2014 حين كانت الأسعار في قمتها ووصلت الأرباح إلى (15.7 مليار دولار)، لكنها لم تخسر، بل ظلت تربح، بخلاف مثلاً ماحصل لبنوك عالمية كبيرة إبان الأزمة المالية العالمية.
في المقابل حققت شركة مثل "توتال" في الربع الثالث من السنة السوداء 2015، مليار دولار مقارنة بـ3.5 مليارات دولار عن الفترة نفسها من 2014، في حين أن الأرباح للأشهر التسعة الأولى وصلت إلى 8.4 مليارات دولار في 2015، وبالنسبة لشركة "إيكسون موبيل" انتقلت الأرباح إلى 13.3 مليارات دولار، ودائماً عن نفس الفترة التي كانت فيها أسعار النفط تحت 45 دولار عموماً، حتى أنها نزلت أحياناً تحت الثلاثين دولار.
تراجع تكلفة الإنتاج
أشار تقرير سابق لـبنك "غولدمان أند ساكس" عن وضعية شركات النفط إلى أن تكاليف الإنتاج انخفضت بنسبة 40% في هذه الشركات منذ العام 2014، السنة التي كانت فيها أسعار النفط فوق المائة دولار، ويقول التقرير أن الشركات لم توقف الاستثمار، بل كذلك ظلت تدفع الأرباح العالية للمساهمين، الأمر الذي حافظ لها على السيولة المطلوبة لتغطية النفقات والاستثمارات الجديدة.
واتجهت الشركات كذلك إلى تطوير أدائها في مختلف قطاعات هذه الصناعة، بما في ذلك مجال "الغاز"، والتنقيب عن حقول جديدة سواء للغاز أو النفط، خاصة في القطب الشمالي الذي بدأ يجتذب كبرى الشركات العالمية في هذا المجال في الفترة الأخيرة.
قوة في السوق
تقول مجلة "فوربس" الأميركية المتخصصة في تقرير لها عن وضعية شركات النفط العالمية، أن 25 من أبرز هذه الشركات على قائمة أكبر 2000 شركة في العالم، حققت مبيعات خلال الفترة بين 2016 و2017، بنحو2.2 تريليون دولار، وحصلت على أرباح وصلت إلى 73 مليار دولار، لكن هذا لم يعن شيئاً كثيراً، لأنها هي نفسها حققت أرباحاً مهمة في فترة (2015-2016) بلغت 2.6 تريليون دولار للمبيعات، و81 مليار دولار كأرباح صافية.
وتصنف "فوربس" عادة الشركات وقوتها بناء على العائد الإجمالي والأرباح الصافية والأصول والقيمة السوقية، وظهرت نتائج هذا الأمر في الارتفاع الكبير في سعر أسهم الشركات الكبرى على غرار "إيكسون موبيل"، والتي ارتفع سهمها حتى منتصف 2017 بنحو 132%، والأمر نفسه تقريباً بالنسبة لعدد من الشركات الأخرى.
واستفادت هذه الشركات بشكل كبير من الارتفاع الذي شهدته أسعار النفط الخام في 2017، لكنها في الوقت نفسه كانت قد كيفت نفسها لكل الاحتمال بشكل أفضل بكثير من الشركات الحكومية، فعلى سبيل المثال، استفادت "إيكسون موبيل" في 2017، بتقليل الكلفة التشغيلية بنحو 4.2 مليارات دولار في الربع الأول من هذا العام، الأمر الذي ظهرت نتائجه سريعاً في أرباح قياسية مقارنة بالسنوات الماضية للعملاق الأميركي.
عودة شيفرون
كانت شركة "شيفرون" الأميركية ،ربما، استثناء وسط عمالقة النفط في العالم، والسبب في ذلك أنها وللمرة الأولى في 36 سنة، تعرضت لخسائر في 2016، الأمر الذي دفع إدارة الشركة إلى تقليل الإنفاق بـ15%، كونها لم تكن تقوى على تغطية الكلفة التشغيلية للنفط الخام والغاز الطبيعي الذي ضخته في ذلك العام، بجانب أنها لم تستفد كثيراً من الاكتشافات الجديدة، لكن هذا الأمر لم يدم طويلاً، فقد بدأت في الانتعاش في الربع الاول من 2017، بحيث حققت ربحاً بلغ 2.68 مليار دولار، مقارنة بخسارة بلغت 725 مليون دولار عن الفترة نفسها في 2016.
أرقام مذهلة لـ"بي بي"
ضاعفت الشركة البريطانية العملاقة "بي بي" من أرباحها بداية العام الجاري ثلاث مرات مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي (الربع الأول)، والسبب في ذلك أن الشركة كانت قد كيفت نفسها على تحقيق الأرباح تحت سقف الـ50 دولار، ومع التحسن الذي طرأ على أسعار النفط وارتفاعها بنسبة 30% في الأشهر الأولى لـ2017، مقارنة بالفترة نفسها عن 2016، جاءت النتائج مذهلة بالنسبة للعملاق البريطاني.
والمثير في الأمر أن الشركة نفسها ستطلق ثمانية مشاريع كبرى السنة المقبلة، وتخطط لرفع إنتاجها إلى 800 ألف برميل يومياً بنهاية العقد الجاري، ما يعني أنها لا تخشى شيئاً في المستقبل.
وتوافقت هذه النتائج مع تقرير سابق لبنك "غولدمان ساكس" الأميركي الذي ذكر أن الشركات النفطية لم تخسر حتى مع نزول النفط تحت سقف الخمسين دولار للبرميل، وأنها في وضع أفضل بكثير من الشركات الحكومية للبلدان النفطية.
وهذا الأمر ظهر أيضاً على شركة "توتال" الفرنسية، والتي ارتفعت أرباحها بـ56% في الربع الاول من العام الجاري، مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، حيث حققت أرباحاً بحدود 2.56 مليار دولار، وهذا حتى أفضل من التوقعات التي كانت تشير إلى 2.4 مليار دولار.
ولم يختلف الوضع كذلك بالنسبة للعملاق الهولندي "رويال داتش شيل"، فقد حققت في الفترة نفسها ارتفاعاً في الأرباح بلغ 3.4 مليارات دولار، مقارنة بمليار دولار في الربع الأول لـ2016، لكن ما يميز هذه الشركة أنها تتوفر على خطة استثمارية بقيمة 25 مليار دولار، ستحافظ لها على قوتها في سوق الطاقة العالمية، والنفط على وجه الخصوص.
مكافآت المدراء
تبين نظرة على مكافآت المدراء في كبرى شركات النفط، حجم ما يحققه هؤلاء، حتى وأسعار النفط تتهاوى، فكيف وهي تتحسن، وفي تقارير اقتصادية مختلفة صدرت في العام الجاري، تبين أن الفترة الحرجة التي تهاوت فيها أسعار النفط لم تؤثر بأي شكل من الأشكال على ما يتقاضاه المدراء الكبار في شركات النفط المختلفة، فحتى مع الزيادة الطفيفة في الراتب، كانت نسب الزيادة الأكبر في "المكافآت"، حيث تراوحت بين 30% إلى أكثر من 60%.
وكشف تقرير لوكالة "رويترز" أن الرئيس التنفيذي لـ"رويال داتش شال" بين فان بيردن حصل على زيادة بنسبة 60% في الأجر الأجمالي الذي يتقاضاها والذي بلغ نحو 9 ملايين دولار، أما نظيره في "توتال" باتريك بوانييه فقد حصل على نحو 7 ملايين دولار، وربما الحالة المتفردة هي للرئيس التنفيذي لـ"بي بي"، بوب بادلي، الذي صوت 60% من أعضاء مجلس الإدارة لتخفيض أجره العام بـ3.7 ملايين دولار، لكن هذا لا يعني شيئاً لأن الرجل كان قد حصل إجمالاً على زيادة بلغت 40% في أجره العام بمافي ذلك المكافآت في الخمس سنوات الماضية، ومع تطبيق الاقتطاع الجديد، لن يكون له تأثير كبير بحسب ما رأت "فاينانشال تايمز".